Search for
Login | Username Password Forgot? | Email: | Create Account
Non English | Popularity: 1 | Entries: 3715 (+7) | Modified: 27m 48s ago | | Add to My Feeds
جائزة نوبل للآداب لسنة 2009 تعود لـ :

الشاعرة و الروائية الألمانية ذات الأصل الروماني هيرتــا مولــــر

... زمـــن الأيـــام الــممنــــوعـــــــــــــــــــة

بقلم/ محمد عاطف بريكي ـ شاعر و ناقد ـ الجزائر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
تكمن قوة هيرتا مولر في كتابة القصيدة من دون أن تقع في تفسير إبداعها و هو نفس الأسلوب الذي تمظهرت به روايتها الشهيرة "هنا حيث الريح يأخذها الفزع أيضا" التي قدمت من خلالها وصفا دقيقا و مؤثرا لواقع رومانيا في زمن الديكتاتورية.
"... يبدو موكب الزفاف متواضعا..تتقدمه آلة عظيمة زاد ضجيجها وقع الأهازيج الصاخبة،و عند أول الشارع ترقد مساحة ترابية شبيهة بملعب كرة القدم و عند إحدى أطرافها يقف مركز الشباب ماهو سوى مكتب للحالة المدنية ...يتقدم موكب الزفاف ستة رجال ببزات رجال الشرطة قيل أنهم مدعوون للعرس و منهم من قال انهم هنا في مهمة مراقبة الزفاف فحفلات الزفاف شبه محظورة على الأهالي ."
و في فصل آخر من الرواية تحت عنوان "قرط على الجبهة" تقول الكاتبة "هو ذا القرط يلمع من على الجبهة و من خلاله يرى الوطن كل يوم تقريبا من خلال الإطار الزجاجي الذي يحمل صورة الرئيس (الديكتاتور) و على صفحات الجرائد ما فتئت صورته تكبر حتى قارب حجمها نصف طاولة."
تقدم الكاتبة نصوصا تتقاذفها أحاسيس و إنطباعات متكسرة تحمل بين طياتها تصاوير بالية لواقع غارق في زخم نظام متعفن حتى النخاع،لكن نصوص هذه الرواية تجاوزت الطرح الرجعي و المقرف لحياة المجتمع الروماني بل حملت في مضمونها مقاربات و كشف لما حاول الديكتاتور"تشاوسيسكو"فرضه على الشعب الروماني على غرار ما كان يحدث في دول أخرى في أروبا الشرقية و خاصة ما كان يحدث في ألمانيا الشرقية.
تصف الرواية بإمتياز،الألم الوجودي الذي يعكس غياب الروح الدينية بين أوساط الرومانيين ... شوراع مكتظة بكتل جسدية مترهلة... و حوانيت يتسمر عند أبوابها كهلة تعلو سحناتهم الوسخة برص مقرف و يبدو الناس في دأبهم و هم يتناولون الشراب و يأكلون بشره أعمى يشير إلى يسر واهم لكنه في الحقيقة معطن بروائح الفحم المنبعثة تبعا من عمق السلالم ... الإجراءات الثأرية التي يمارسها البوليس السري من حين لآخر... السوق السوداء و الوظائف غير الشرعية في المعامل ( تبدو الشوراع غارقة في صمت مطبق ،صمت يفرضه الظلم الذي تمارسه السلطة.هنا حيث الريح تنساب متوحدة،فزعة ... ! الأطفال المرضى الذين ما فتئ عددهم في إرتفاع ،"يقول الأطباءربما كان سببها الزيوت المنبعثة من الماكنات القديمة جدا" ربما هذا أقل ما يمكن أن يقال عن حال رومانيا المكبلة بقيود الديكتاتورية .
هيرتا مولر قلم جرماني من أصل روماني،عايشت مناخ الظلم السائد في رومانيا زمن الديكتاتورية،من مواليد سنة 1954بإحدى القرى الرومانية.بدأت حياتها كشاعرة، أصدرت أول ديوان شعري لها سمته" الكادحون" ببوخارست سنة 1982 يعد وصفا لواقع البيئة الريفية الخانقة بواسطة قصائد غاية في البيان.
في سنة 1987 اختارت الكاتبة الإسقرار في ألمانيا و في خضم إقامتها البرلينية إستطاعت أن تصنع ألمعيتها الخاصة،علما أنها من أنصار تيار الحداثة الذي اصبح اليوم سائدا بين الأوساط الأدبية في ألمانيا ، و من دون أن تأخذ كلمتها بعدا إشهاريا بحتا إكتفت الكاتبة بجعل نصوصها منطلقا موضوعيا و مميزا غاية في الواقعية المؤلمة فرضه تيمة مواضيعها المصبوغة بلغة قوية و محددة ،حيث كتبت في روايتها الأخيرة تقول:"...المحكومون،خناجر تكبت دموعا صدئة،تنام بملء جفونها."
تأخذ بعض فصول الرواية في وصف "الملصقات"لسيناريو، يحكي عن حوادث مشتتة."يبدو المصنع مترهلا،تسكنه ماكنات قديمة تشغل معظم مساحته و عندما تأخذ مسنناته العظيمة الصدأة في الدوران،تتحرك رؤوس العمال معها في حركة دءوب ،و عند البوابة الرئيسية للمصنع يجلس الحاجب صامتا يتعشّق في وجه السماء و من فوقه مباشرة يأخذ مكبر الصوت حيزا لا بأس به من علية البوابة المهترئة الصدأة في كل صباح كانت تنبعث من أحشاءه أغان حماسية،كان يدعوها الحاجب "موسيقى الصباح" إذ تمثل في مجملها أصوات أجراس منبهة ،وإذا حدث أن وصل أحد العمال المصنع بعد إنطلاق الموسيقى ،يكون مصيره معلق على ما سوف تقرره لجنة التأديب في حقه حيث في البداية سيؤشر على إسمه باللون الأحمر و ذلك معناه أول إنذار قد يلحقه تقرير بالفصل إن تكرر تأخره بعد إنطلاق الجرس المنبه..."
صحيح أن الرواية صعبة للقراءة،حيث لا تفسر العبارات مظاهر الصور التي تسمى بها و هنا يتكثّف المعنى.ففي إحدى فصول الرواية تصف لنا الكاتبة البروفيسور"آديـنـا" و هو رفقة أصدقاءه ملاحقون من طرف البوليس السري،حيث يبدو الوصف أول مرة و كأنه محور الرواية و أخذ ذلك عدد لا بأس به من صفحات الرواية، و هذه أمثلة تناسب ما رمزت إليه كاتبة الرواية من خلال إشارتها إلى فروة ثعلب وثيرة كانت معلقة على جدار صالة في منزل البروفيسور إذ يحدث و أن يدخل أحد الأشخاص المنزل فيلفت نظره فراء الثعلب فيتناوله من الجدار و يأخذ في تمزيق أوصاله: الأطراف أولا فالذيل ثم يفصل رأسه في النهاية و هذا ما رمزت به الكاتبة إلى الخطر المحدق و في غمار هذا الوصف يحدث و أن تعلن وسائل الإعلام عن موت الديكتاتور لترجع بنا الروائية إلى حكاية البروفيسور "أديـنـا" الذي كان هاربا من البوليس السري مختبئا في أحدى قرى الريف الروماني على الحدود يجلس بداخل خندق تحت الأرض ...يسقط الطاغية إذن وتنتشل صوره من الساحات و الجدران و يتحطم كل شيء يتعلق بشخصه،تعود الدبابات إلى مواقعها و يدخل الجيش الثكنات،لكن مع ذلك تبقى القيود السلطوية قائمة تعكر صفو الحياة التي ينشدها الإنسان الروماني دوما فلا تزال نفس الوجوه تحتكر الرأي و الكلمة فتجد الرجل مديرا و في نفس الوقت استاذ الفيزياء و أستاذ الفيزياء هو في حد ذاته المسؤول عن تنظيم المرحلة الإنتقالية و تطبيق الديمقراطية !
في روايتها تهيم هيرتا مولر في وصف الطبقة المثقفة و إنجازاتها لكنها تأخذ في الحسبان وصف حياة الطبقة الكادحة من العمال و العاملات و الناس المعذبون بنفس الدقة و ألامتنان عند وصفها الطبقة المثقفة في رومانيا زمن الأيام الممنوعة.
Mohamedatefb@yahoo.fr

More from نشيج المحابر الادبية

تباريح 36 09 Oct 9
مدن وحروف 09 Oct 7

^ Back To Top